ما شأني بهم وما شأنهم بي


يرمق الغادي والرائح بنظراته، مراقباً لتحركاتهم بطريقة مزعجة، فيها تطفل على خصوصيات الناس، وكأنه موكل بأهل الحي فرداً فرداً!!
للأسف هذه الظاهرة المزعجة هي صفة لبعضهم!!
ظاهرة التلصص على الناس!! أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ وماذا اشتروا؟ ومن أتاهم؟ ومن دعاهم؟!!
إن شئت فسمها تطفل!
وإن شئت فسمها لقافة!
وإن شئت فسمها قلة ذوق وقلة أدب!
هذه الظاهرة يمكن أن نطلق على أصحابها: البصاصون!!
لقد وصف الاسلام من يترك ما لا يعنيه: بحسن الاسلام، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) حديث حسن رواه الترمذي وغيره .
لكن البعض في الحقيقة لا يترك ما لا يعنيه بل يحشر نفسه فيما لا يعنيه حتى يصل به الأمر إلى أن يعتاد التطفل على خصوصيات الناس!
فتراه ينتهك خصوصيات الناس بالنظر!
وينتهك خصوصايتهم بالكلام في المجالس عن فلان وعلان!!!
وينتهك خصوصياتهم بنقل ما يصل له من أخبار عن فلان وابن فلان وابنة فلان و زوجة فلان...الخ!!
ينتهك خصوصياتهم حتى بالاستهزاء بأشكالهم وأجسامهم وطريقة حياتهم!!!
وينتهك خصوصياتهم بنقل أسرارهم!!
يسلم الإمام فترى أصحاب هذه العادة قد التوت أعناقهم تاركين الذكر بعد الصلاة يحدون النظر في الناس الذين خلفهم والذين عن أيمانهم وعن شمائلهم!!!
لقد رأيت أحدهم اصطدم بواجهة إحدى المحلات التجارية وهو يمشي بسبب هذه العادة!!
الحقيقة أن البعض قد اعتاد هذه العادة حتى أنه يبحلق في وجوه الناس في المسجد أو في الشارع دون حتى أن يسلم عليهم!
هذه الظاهرة تكاد تكون بارزة بشكل ملفت في المجتمعات الصغيرة كالمدن الصغيرة والقرى، لكن في المقابل تخف كثيرا في المدن الكبرى!!
هذ الظاهرة يصنعها فراغ العقل من كل مفيد!!!
تصنعها شهوة حب تتبع عورات الناس وأخبارهم!!

في الحديث المرفوع : " يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ ، لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتبَّعَ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ تَتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتُهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ "

وفي الحديث الآخر: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ يهوي بها في جهنم"
ما أجمل أن يترك الانسان غيره في حال سبيله، إلا أن يرى منكرا ظاهراً فإنه ينصح صاحبه نصيحة المسلم للمسلم في جو من رباط الاخوة الاسلامية.

روابط إثرائية حول الموضوع:
قصة ابن الشيخ محمد العريفي مع حديث (من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه)


http://www.alfawzan.af.org.sa/node/13827



كتبه/ الأستاذ محمد
في 9 رمضان 1437هـ

إصلاح الخلل



تخيل معي هذا المشهد:
بيت جميل في الليل فيه مصابيح كثيرة،  لكن بعض هذه المصابيح لا يعمل!!!
بعض أجزاء البيت مظلمة!! موحشة!
 لن يكون منظر البيت جيداً وهو بهذا الشكل!
في هذه الحالة تحتاج تبديل هذه المصابيح المعطوبة أو إصلاح الخلل ليعود البيت مضيئاً مبهجاً جميلاً.
كذلك أنت هناك مناطق مظلمة لديك!
ابحث عن الخلل!  أين يوجد؟!
صلاتك مصباح!
النوافل مصباح!
برك لوالديك مصباح!
صيامك مصباح!
تعاملك مع الناس مصباح!
خلقك مصباح!
الأذكار في حياتك مصباح!
قراءة القرآن الكريم مصباح!
صدقتك على غيرك مصباح!
وغيرها الكثير من المصابيح في حياتك بعضها يعمل بشكل ممتاز!
وبعضها معطل ومظلم!
وبعضها يحتاج تجديد لضعف نوره!
هل تفقدت المصابيح في حياتك؟!
قد يكون بعضها يحتاج اصلاح ليعود النور إلى حياتك!
هل تظن أن هناك مناطق مظلمة في حياتك تسبب لك قلقاً وأرقاً وتنغص عليك عيشك؟!
حدد هذه المناطق، ثم ابدأ فوراً بعلاج الخلل حتى تكون حياتك مضيئة مبهجة.
لقد تحدث ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي) عن المعصية باعتبارها مما يحدث مناطق مظلمة في حياتك!
ومما ذكره أن من آثار المعصية: الظلمة التي يجدها العاصي في قلبه : فان الطاعة نور والمعصية ظلمة ، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات .
قال ابن عباس : أن للحسنة ضياء في الوجه ، ونورا في القلب ، وسعة في الرزق ، وقوة في البدن ، ومحبة في قلوب الخلق ، وان للسيئة سوادا في الوجه ، وظلمة في القبر والقلب ، ووهناً في البدن ، ونقصا في الرزق ، وبغضة في قلوب الخلق .
كلنا مقصر لكن هل تفقدنا مواطن التقصير وبدأنا بالإصلاح؟!
إن كثير من القلق والتعب والهم الذي يصيبنا هو بسبب هذه المناطق المظلمة في حياتنا.
حياتنا تحتاج فحص كامل، ومن ثم تحديد الخلل!
ثم بعد تحديد الخلل نحتاج خطوات مدروسة في العلاج، خطوات مدعومة بقوة الإرادة والعزيمة والطموح لحياة أفضل، لحياة يملؤها الرضى والسعادة والطمأنينة.
إذا لم نستطع إصلاح هذه المصابيح المعطوبة فلنستعن بمن يستطيع إصلاحها!

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأانِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ, وَالصَّلَاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو, فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))
[أخرجه مسلم في صحيحه]
هناك في القرآن الكريم سورة كاملة اسمها سورة النور.
ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى النور والظلمة في القرآن الكريم، وان طريق الخير هو طريق النور وطريق الشر هو طريق الظلام.
تفكر! تدبر! في حياتك
حدد الخلل!
ابدأ الاصلاح!
ثم قس النتائج، ستجد فرقاً كبيرا في حياتك نحو الأفضل.
الضياء والنور بهجة وسرور!
كتبه/ الأستاذ محمد

5 مضان 1437هـ

الخشوع في الصلاة


      
         في هذه المقالة سأحاول تبسيط مفهوم الخشوع  حتى يستفيد الكاتب والقارئ دون الدخول في تفاصيل قد لا تفيدنا كثيراً.

القلب وما أدراك ما القلب؟!!

         إذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنها تابعة له كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» فإذا خشع القلب خشع السمع والبصر والرأس والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ منها حتى الكلام، لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه في الصلاة: «خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي» وفي رواية: «وما استقل به قدمي».


         قال النبي صلي الله عليه وسلم : « أول علم يرفع من الناس الخشوع ، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً » رواه الترمذي وأحمد والدارمي . قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه - : (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع ، وآخر ما تفقدون الصلاة ، ورب مصل لا خير فيه ، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعاً).

         لما سمع بعض السلف قول الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ .. ﴾ قال « كم من مصل لم يشرب خمراً ، وهو في صلاته لا يعلم ما يقول ، قد اسكرته الدنيا بهمومها ».

ومما يعين على الخشوع في الصلاة التعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، أتى عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه  فقال : يا رسول الله ! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي ، يلبسها علي . فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : « ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً » . قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله رواه مسلم . ومما  أيعين على الخشوع في الصلاة يا عباد الله : مدافعة الشواغل والموانع التي تصرف عن الخشوع ،فلا يصلي في مكان مزعج ، أو أمام نقوش وتصاوير وألوان وكتابات ، ولا يصلي بحضرة طعام يشتهيه ، ولا يصلي وهو حاقن ، أو يدافعه الأخبثان ، أو قد غلبه النعاس .

ومما يعين على الخشوع أيضاً : الاستعداد للصلاة قبلها ، والحضور للمسجد مبكراً ، ففي ذلك تهيئة للنفس ، وخضوع في القلب .


        الحقيقة أنه على المسلم قبل أن يحضر إلى الصلاة أن يقوم بعملية تجهيز لهذه الفريضة قبل الحضور لها و أدائها!!! أليس الواحد منا حريص كل الحرص على أن يجهز لحفل خاص به أو وليمة قد أعدها ودعا الناس اليها؟! نعم إن الانسان حريص جداً على أن يعد العدة قبل أي عمل يقوم به!!

كل مناسباتنا الدنيوية وأعمالنا ما لم يكن هناك إعداد مسبق لها فحتما ستكون المناسبة مشوههة ولن يرتاح صاحبها فهي مدعاة للتوتر والقلق!! والصلاة كذلك بل هي أعظم مناسبة للوقوف بين يدي مالك الملك.

إن اتباعك للسنة في شروط الصلاة وواجباتها وأركانها مدعاة للخشوع ولن يضيع الله عمل عامل، وقد ذكر بعضهم أن اتباع السنة في الوضوء وعدم الإسراف في الماء مدعاة للخشوع وقال أن ذلك ثبت بالتجربة والله أعلم.

أخيرا جهز نفسك للصلاة مسبقا وأبعد الشواغل عن قلبك، حدد كل ما يشغلك ولو أن تكتبه ثم تعامل مع الشواغل بتحديد أوقات غير وقت الصلاة لتنهيها فيه، ثم إذا وقفت في الصلاة فجاهد نفسك على حضور الذهن فيما يخص الصلاة من تدبر وخشوع وكل ما فلت منك تفكيرك بعيداً فأعده مرة أخرى مصرا على أن تصلي صلاة يكتب لك أجرها كاملة إن شاء الله فليس للإنسان إلا ما عقل من صلاته.

إعداد/ الأستاذ محمد

في 3 رمضان 1437هـ

رمضان و الطريق إلى الجنان


خواطر أبثها لكم عبر هذا المقال وأتمنى أن يستفيد منها كل مطلع عليها فيذكرني بدعوة.
رمضان هو شهر واحد، 30 يوما أو 29 يوما، لكنه ليس كأي شهر، ولا أيامه ولياليه كأي أيام وليالٍ، باب خير عظيم يفتح لتضاعف فيه حسناتك.
باب يفتح لتغير فيه حياتك للأبد!
لتسأل نفسك (ولتنظر نفس ما قدمت لغد)؟؟
وحتى لا تقول (يا ليتني قدمت لحياتي)!!
اسأل نفسك ماذا تعرف عن رمضان؟!!
لا بد من وقفة تفكير وتأمل!
هل ثقافتي الرمضانية كافية حتى أعبد الله على علم و حتى استمتع برمضان؟! إنها ثقافة أحكام الصيام...التراويح....قراءة القرآن الكريم...الدعاء...الذكر...الصلاة
هل قرأت هذه السنة شيئا عن رمضان؟!
هل هيأت نفسك ذهنيا لهذا القادم الذي قد يغيرك للأبد!
هل قرأت شيئا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم والتابعين رحمهم في رمضان؟!
قد يفيدك هذا الموضوع:


إننا نحتاج إلى إعادة تهيئة كما يقول التقنيون أو إلى إعادة برمجة بعد عام حافل!
تحتاج أن تنسى الماضي خصوصاً إن كنت مثلي من المقصرين حتى لا يفسد عليك الشيطان لذة هذا الشهر الكريم وينغص عليك روحانيته بتذكر آلام الماضي ومشاكله وهمومه وتقصيرك فيما مضى.
وأنت تصوم رمضان تأمل في نيتك لكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } [أخرجه البخاري ومسلم]
فتصوم ايمانا وتصوم احتسابا وليس رأيت الناس يصومون فصمت!!
أو تصوم وأنت نائم طوال النهار فأي إيمان واحتساب لمن فعل ذلك؟!
رمضان له طعم خاص يملؤه الإيمان والذكر والعبادة والروحانية التي تسري في النفس حتى تطير النفس شوقا للمصحف وللركوع والسجود والدعاء.
حديث الروح للأرواح يسري وتدركه القلوب بلا عناء
                           هتفت به فطار بلا جناح وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن جرت في لفظه لغة السماء
                           لقد فاضت دموع العشق مني حديثا كان علوي النداء
إننا نبث شكاوينا وهمومنا إلى الناس ليل نهار فلم لا نبثها خلال هذا الشهر للواحد القهار!
إننا نتسابق على كل فرصة دنيوية حتى ولو كنا نملك الكثير فهل نتسابق إلى الخيرات والهبات التي ستوزع في هذا الشهر الكريم من رب الأرض والسماوات!
لماذا يكون شهرنا المأمول مليء باللهو والعبث ومشاهدة الفضائيات والتنقل بين برامج الجوالات ومواقع التواصل الاجتماعي!
(إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا).
هل ننتظر مثلا أن يأتي تمديد لأيام الشهر حتى نلحق بالركب ونعمل الصالحات!
ما لم تغير من نفسك وطريقة حياتك وطريقة تفكيرك فلن يأتيك التغيير يبحث عنك لسواد عينيك!
استغل هذا الشهر لتضع حدودا بينك وبين ما يغضب فلا تتخطاها...
استغل هذا الشهر لتزيل ما علق بفكرك وعقلك من التشويش الذي حصل ويحصل عبر وسائل الإعلام المختلفة بشتى مشاربها...
اشتغل هذا الشهر لتقدم شيئا من الأعمال الصالحة التي عندما تتذكرها لاحقا تعطيك قوة وثباتا في حياتك المقبلة...
كم هو شعور رائع بل أكثر من رائع عندما تبقى في المسجد تقرأ القرآن الكريم بانتظار إقامة الصلاة...
كم هو شعور أكثر من رائع عندما تبقى في المسجد بعد انتهاء الصلاة فتذكر الله وتقرأ القرآن وتحس بالسكينة والطمأنينة التي قد تفتقدها وأنت خارج المسجد في خضم الحياة...
كم هو رائع أختي الكريمة وأنت في مصلاك تذكرين الله وتتنقلين بين آيات القرآن الكريم فتشعرين بالسكينة والطمأنية وتتذكرين أمهات المؤمنين والصحابيات والصالحات...
قد يفيدكن ويفيدكم الاطلاع على هذه الروابط:



اقرأ هذه الأحاديث الآتية وتأملها:
-قال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ لله عتقاءَ في كلِّ يوم وليلة، لكلِّ عبد منهم دعوةٌ مستجابة))، أي: في رمضان، وهو حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في مسنده (7450).
-وروي عنه صلى الله عليه وسلم: ((إن لله - عز وجل - عند كل فطر عتقاء))، رواه أحمد في المسند: (22202)، والبيهقيُّ في "شُعَب الإيمان": (3605)
ما أجمل هذه الهدايا: عتقاء من النار و دعوة مستجابة...
أنا وأنت كلنا نريد أن نكون من هؤلاء...
ما الذي يمنع من ذلك؟!

كتبه/ الأستاذ محمد

24 شعبان 1437هـ

الذكاء العاطفي: بين النظرية والتطبيق



  

إن العلاقة ما بين العقل (الفكر) والعاطفة ملتبس عند الكثير من الناس إلى حد كبير.

يعتقد الكثير من الناس أن التفكير الجيد لا يستقيم إلاّ بغياب العاطفة. من المؤكد أن العواطف القوية تلعب دورا كبيرا في التفكير بصورة سليمة وتجعله من الصعوبة بمكان. وهذا ما حدا بالعقلانيين أن يجعلوا غياب العاطفة عن التفكير عقيدة لهم. ومع هذا وذاك تظهر لنا التجارب الإكلينيكية أن التفكير الخالي من العاطفة لا يؤدي بالضرورة إلى اتخاذ قرارات مرضية إن لم يكن مستحيلا. إن المشكلة لا تكمن في العاطفة في حد ذاتها بقدر ما تتعلق بتناسب العاطفة وملاءمتها للموقف وكيفية التعبير عنها. فليس المطلوب هنا تنحية العاطفة جانبا بقدر محاولة إيجاد أو خلق التوازن بين التفكير العقلاني والعاطفة.

منذ إصدار دانيال قولمان Daniel Goleman كتابه الأول (1995)، أصبح مصطلح "الذكاء العاطفي" من أهم المواضيع انتشارا وتداولا بين دوائر الشركات العالمية الكبرى وكذلك نال نفس الاهتمام على مستوى المؤسسات التعليمية إن كان في الجامعات أو في المدارس. وانتقلت العدوى إلى معظم الأقطار العربية فسرعان ما عقدت الندوات وورش العمل وبرامج التدريب والترجمات وما إلى ذلك من نشاطات ترافق كل صرعة جديدة دون دراسة أو تمحيص. ومن هذا المنطلق وقد عاد الكلام عن الذكاء العاطفي مرة أخرى أود هنا أن أتطرق باختصار إلى السياق التاريخي لتطور فكرة الذكاء العاطفي وما هو الذكاء العاطفي ضمن هذا السياق وما هي عناصره أو مكوناته وأهميته بالنسبة لمكان العمل والدرس.

للذكاء العاطفي جذوره الممتدة في مفهوم "الذكاء الاجتماعي" الذي أول من عرفّه روبرت ثورندايك Robert Thorndike (1920). ومنذ ذلك التاريخ وعلماء النفس يحاولون إزاحة الستار عن أنواع الذكاء التي صنفوها تحت ثلاث مجموعات:

o الذكاء المجرد (القدرة على فهم الرموز اللفظية والرياضية والقدرة على التعامل معها)

o الذكاء الحسي ( القدرة على فهم الأشياء الحسية أو المادية والقدرة على التعامل معها)

o الذكاء الاجتماعي (القدرة على فهم الناس والانتماء لهم)

وقد عرّف ثورندايك "الذكاء الاجتماعي" بالقدرة على فهم الأفراد (نساء ورجال وأطفال) والتعامل معهم ضمن العلاقات الإنسانية.



أما دافيد ويكسلر David Wechsler (1940) فقد عرّف الذكاء بالقدرة الشاملة على التصرف وعلى التفكير بعقلانية وعلى التعامل مع البيئة المحيطة بفاعلية. وتحدث كذلك عن عناصر عقلية وغير عقلية المعنية بالعوامل العاطفية والشخصية والاجتماعية. وفي سنة 1943 قال ويكسلر بضرورة القدرات العاطفية لتنبؤ قدرة أي شخص على النجاح في الحياة. وانقطع حبل التفكير والبحث حول هذه المسألة حتى ظهر هوارد قاردنرHoward Gardner (1983) في كتابه "أطر العقل" الذي أشار فيه إلى الذكاء المتعدد وبالتحديد أشار إلى نوعين من الذكاء يتقاطعان مع ما يسمى بالذكاء العاطفي وهما: الذكاء الاجتماعي والذكاء الشخصي. ومن ثم في سنة 1990 استخدم سالوفي ومايرSalovey and Mayer مصطلح "الذكاء العاطفي" لأول مرة. وكانا على دراية تامة بما سبق من عناصر الذكاء غير المعرفي. لقد وصفا الذكاء العاطفي على أنه نوع من الذكاء الاجتماعي المرتبط بالقدرة على مراقبة الشخص لذاته ولعواطفه وانفعالاته ولعواطف وانفعالات الآخرين والتمييز بينها واستخدام المعلومات الناتجة عن ذلك في ترشيد تفكيره وتصرفاته وقراراته. وفي أوائل التسعينيات من القرن العشرين أصبح دانيال قولمان على دراية بأعمال سالوفي وماير مما دفعه إلى وضع كتابه الشهير "الذكاء العاطفي".

كل التعريفات الواردة في كل الدراسات السابقة تجمع على معنى للذكاء العاطفي ويمكن تلخيصه في التعريف التالي: "الذكاء العاطفي هو الاستخدام الذكي للعواطف. فالشخص يستطيع أن يجعل عواطفه تعمل من أجله أو لصالحه باستخدامها في ترشيد سلوكه وتفكيره بطرق ووسائل تزيد من فرص نجاحه إن كان في العمل أو في المدرسة أو في الحياة بصورة عامة"

عواطفنا تنبع من أربعة أبنية أساسية هي:

1. القدرة على الفهم الدقيق والتقدير الدقيق والتعبير الدقيق عن العاطفة 2. القدرة على توليد المشاعر حسب الطلب عندما تسهل فهم الشخص لنفسه أو لشخص آخر

3. القدرة على فهم العواطف والمعرفة التي تنتج عنها

4. القدرة على تنظيم العواطف لتطوير النمو العاطفي والفكري

وكل واحد من هذه الأبنية السابقة يساعد على تطوير المهارات المعينة التي تشكل معا ما يسمى "الذكاء العاطفي". إن الذكاء العاطفي ينمو ويتطور بالتعلم والمران على المهارات والقدرات التي يتشكل منها. أما المكونات والعناصر التي تشكل الذكاء العاطفي كما لخصها دانيال قولمان هي كما يلي:

الوعي الذاتي Self-awareness وهو القدرة على التصرف والقدرة على فهم الشخص لمشاعره وعواطفه هو وكذلك الدوافع وتأثيرها على الآخرين من حوله.

ضبط الذات Self-control وهو القدرة على ضبط وتوجيه الانفعالات والمشاعر القوية تجاه الآخرين.

الحافز Motivation وهو حب العمل بغض النظر عن الأجور والترقيات والمركز الشخصي.

التعاطف Empathy وهو القدرة على تفهم مشاعر وعواطف الأخرين وكذلك المهارة في التعامل مع الآخرين فيما يخص ردود أفعالهم العاطفية.

المهارة الاجتماعية Social skill وهي الكفاءة في إدارة العلاقات وبنائها والقدرة على إيجاد أرضية مشتركة وبناء التفاهمات.



ونتيجة لهذا الاهتمام الواسع تم تطوير برامج تدريب تبين العلاقة المبدأية التي تربط الذكاء العاطفي بأماكن تواجد العاملين وتهتم بتعليمهم المفهوم وتقييم نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم وتزويدهم بإطار يرفع من قدرتهم على التفاعل مع الآخرين بواسطة استخدام الذكاء العاطفي.

أهمية الذكاء العاطفي بالنسبة للعمل تعود إلى عهود مضت حتى إلى ما قبل أن يحدد هذا المصطلح وينتشر بهذا القدر. كان التربويون والمهتمون بتطوير الموارد البشرية والمدربون في الشركات والمهتمون بالتوظيف والمديرون وآخرون يدركون ما هو الحد الفاصل بين الموظف العادي متوسط الأداء والموظف المتفوق في الأداء. إن الفرق بين الإثنين ليس المهارات الفنية التي يمكن اكتسابها وتعلمها بسهولة وليس بالضرورة أن يكون الذكاء هو ما يميز بين أداء وآخر. إنه شيء آخر يعرفه الشخص إذا رآه بنفسه ويصعب تحديده في نفس الوقت. إنه المهارات الشخصية.

وجاء الذكاء العاطفي المصطلح الموضوعي الذي يتكون من قدرات ومهارات يمكن قياسها ولم تعد مهارات فضفاضة ومطاطة لا يمكن قياسها. فمثلا لو تمعنا في الدور الذي يمكن أن تلعبه العواطف في مكان العمل لتبين لنا الأهمية التي ينطوي عليها فهم عواطفنا وكيفية التعامل معها في الوقت المناسب.

فلنأخذ مشاعر الخوف والقلق كمثال. لو كان شخص يعمل في أحد المصانع وقررت إدارة المصنع يوما زيادة سرعة الإنتاج لظروف موضوعية. عندئذ، يتعين على هذا الشخص أن يعمل بأسرع مم تعود عليه في السابق مع المحافظة على نفس نوعية الإنتاج. فإذا كانت السرعة المطلوبة معقولة يمكن أن يكتفي العامل بإطلاق تنهيدة ويوطد نفسه على أن يكون أكثر انتباها وحرصا. أما إذا زادت السرعة أكثر فأكثر إلى درجة تجعل العامل يشعر بعدم القدرة على مجاراة هذه السرعة، عندئذ، يبدأ القلق والخوف. يقلق حول ارتكاب أخطاء أو حول الإصابة بمكروه. ولكن بإمكانه أن يضبط ذلك القلق ويضعه جانبا أو يتجاهله وينتبه للعمل ويسير كل شيء على ما يرام. أما إذا أصر على القلق والخوف فترتكب بعض الأخطاء أو قد تؤذي نفسك نتيجة الارتباك وتفقد الوظيفة.

أما أهمية الذكاء العاطفي في المدرسة فهي واضحة وظاهرة في الأبحاث التربوية المرتكزة على أبحاث الدماغ والتي تشير إلى أن الصحة العاطفية أساسية وهامة للتعلم الفعاّل. فلعل أهم عنصر من عناصر نجاح الطالب في المدرسة هو فهمه لكيفية التعلم. فالعناصر الرئيسة لمثل هذا الفهم كما ذكرها دانيال قولمان هي: الثقة،وحب الاستطلاع، والقصد، وضبط الذات، والانتماء، والقدرة على التواصل، والقدرة على التعاون. فهذه الصفات هي من عناصر الذكاء العاطفي. لقد برهن الذكاء العاطفي على أنه متنبئ جيد للنجاح في المستقبل أكثر من الوسائل التقليدية مثل: المعدل التراكمي، أو معامل الذكاء ودرجات الاختبارات المعيارية المقننة الأخرى. من هنا جاء الاهتمام بالذكاء العاطفي من طرف الشركات الكبرى والجامعات والمدارس على مستوى العالم أجمع.

وباختصار، إن بناء الذكاء العاطفي لأي شخص له أكبر الأثر عليه طيلة حياته. فالعديد م الآباء والتربويين عندما انزعجوا في الآونة الأخيرة من مستويات المشاكل التي يصادفها طلاب المدارس التي تتراوح من احترام الذات المنخفض إلى سوء استعمال المخدرات والكحول إلى الإحباط، لجؤوا بكل قوة إلى تعليم الطلاب المهارات الضرورية للذكاء العاطفي. وكذلك الأمر في الشركات الكبرى التي وضعت الذكاء العاطفي في برامج التدريب ساعدت الموظفين وجعلتهم يتعاونون بصورة أفضل من ذي قبل وطورت حوافزهم مما أدى إلى زيادة الإنتاج والأرباح. ومن هنا يجب اعتبار الذكاء العاطفي بمكوناته وعناصره وسيلة ثالثة بالإضافة إلى المهارات الفنية والقدرات العقلية (المعرفية) عند التوظيف أو التطوير أو الترقيات إلى آخر هذه المهمات.



المصادر


--------------------------------------------------------------------------------

Goleman, D. Emotional Intelligence, New York: Bantam Books, 1995.
Goleman, D. Working with Emotional Intelligence, New York: Bantam Books, 1998.
Gardner, H. Frames of Mind, New York: Basic Books, 1983
Salovey, P. & Mayer, J. Emotional Intelligence. Imagination, Cognition, and Personality, 9(3), pp. 185-211, 1990.
Thorndike, R. Intelligence and its Use, Harper’s Magazine, 140, pp. 227-235, 1920.
Wechsler, D. Nonintelligence factors in General Intelligence, Psychological Bulletin,


منقول من:
المصدر/ http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=2736